كتاب موت صغير تأليف محمد حسن علوان

كتاب موت صغير تأليف محمد حسن علوان

تحميل و قراءة كتاب موت صغير تأليف محمد حسن علوان بعدد صفحات أكثر من 592 صفحة، الكتاب باللغة العربية متوفر للتحميل والقراءة وشراء نسخة ورقية اون لاين.

معلومات عن الكتاب

عنوان الكتاب الكامل:
موت صغير
الكاتب:
محمد حسن علوان
الناشر:
دار الساقي للطباعة والنشر
عدد الصفحات:
592
ردمك:
9786144259276
لغة الكتاب:
اللغة العربية

نظرة عامة عن محتوى الكتاب

” هكذا كان الكوخ يوم ولجته أوّل مرّة . وما زدت عليه الإمتاعي . حشيّة صون لم يُنْدَف في ركن الكوخ . وطست وضوء مغموس فيه مشط ، إلى جانبه لفائف أوراقي ومصباحي وليقتي ودواتي التي يتمدّد الحبر فيها شتاءً مكوّمة كلها فوق الرفّ الوحيد في جدار الكوخ ، وقريب من الباب قفيز طحين تستند عليه جرة ماء ، وفوقها كيس ملح وزبيل تمر وتين مجفّف . ما أكثر هذا المتاع على طالب الخلوة وما أمضاها في إفسادي . إذا سهرت لأشهد مطالع الأنوار الإلهية ضيّعت عليّ ذلك حشيّة الصوف بالنوم . وإذا لزمت الصمت لأسمع حفيف الأسرار القدسية قرقرت بطني فجعت وانشغلت . وإذا أشعلت مصباحي وأخرجت أوراقي وغمست يراعي في قنينة الحبر ووضعتها حيث توقعت ليلة البارحة انشق من حيث يتماسّى اليراع والورق شبّاكٌ تطلُّ منه أرباض الأندلس وأزقة فاس وزوايا تونس وخوانق القاهرة وشعاب مكة وحوانيت بغداد وغوطة دمشق وبحيرات قونية . . أي عزلة هذه . . . لا أعلم مكاني من الأرض ولكن هذا لا يعنيني وقد ثبّت الله قلبي بالأوتاد الأربعة . كل ما اذكره أنّي تركت ” ملطية ” واتجهت شرقاً وعلى ظهري بساط من وبر حملت فيه كل قناعي . أمشي حتى أتعب ، وآكل من ألقى ، وأنام حيث يطبق الليل . تيبّس باطنا قدميّ منذ اليوم الثالث من المشي وصار لونهما غريباً . . لم يبقَ في جسدي عضوٌ إلا واشتكى وأنا على سيري لا أتوقف . تتلقفني الطريق بعد الطريق . . رافقني الهلال والمحاق والبدر قبل أن تقطع الجبال طريقي . . . تقرّحت أصابعي وازدادت آلامي فخففت عنها بالبكاء من حين إلى آخر ، حتى وقفت على قمّة الجبل أخيراً وتمّت ليلتي الأولى في عرائه وفي الصباح كانت السماء صافية فتراءى لي كوخي هذا عن بُعد . إتجهت إليه فوجدته مهجوراً منذ أمد لا يبدو قريباً ، فعلمت أنّي بلغت المعتزل الذي يليق ببيعتي قطباً بعد خمسين سنة على وسفراً وجوعاً ورياضةً ومجاهدةً . كنت نائماً عندما بايعتني القوى العلوية في الليلة التي سبقت خروجي من ملطية . جذبتني نار فارتفعت عن فراشي معلّقاً في الهواء قيد شبرٍ محمولاً بإرادة العزيز الجبّار . لم تكن جذبة مفاجئة بل انتظرت حدوثها في أي لحظة منذ أن أكملت طوافي على أوتاد الأرض طواعاً كُتب عليّ قبل ولادتي . ولكن كل جذبة تصفعني حتى يصير قلبي حماقة في الملكوت ، وكلامي فهوانياً لا تدركه الأسماع ، ويتخطف البصر بنور الله ولكن تسطع به البصيرة . ثم يكشف الله لي ما يأمر به عبده الفقير إليه المنقطع إلا منه . يأمرني أن أكتب كتاباً وأكشف علماً وأصحب شيخاً وأحمل مريداً وأخلو عندما أحتاج إلى الخلوة وأجلو عندما تحلّ الجلوة . كلّ ما أفعله في طريقي إلى الله هو أمره وتدبيره : ال[، مرآة الحق ، في يدي طلسم الله الأعظم ، وقسطاس الفيض الأعمّ ، و . . . أيها الرجل . . . هل أنت موجود ؟ قاطعني الراعي الأذري وهو يناديني بلكنته الأعجمية من خارج الكوخ . فتحت واقفاً وخرجت إليه من فوري ومعي الوعاء والجرّة . سلّمت عليه وردّ سلامي ثم أخرج ما خُرج بفلته خبزاً وحبوباً وفجلاً وضعها في وعائي . أخذ منّي جرّتي وملأها بالماء من قربة تتدلى من ظهره ، ثم ناولني إياها وعدّل قربته ولكز بغلته وهو يقول – أراك بعد أسبوع . ناولته درهمين سلجوقيين – أريد حبراً وزيتاً للمصباح . هزّ رأسه علامة الإيجاب وانصرف . حملت المتاع التي جلبها إلى الكوخ ثم خرجت لأوقد ناراً ورحت أتأمل النسور التي تحوم حول القمة في هذا الوقت من النهار كل يوم في انتظار فريسة ما . سكبت شيئاً من الماء في الوعاء مع حبوب الباقلاء وحفنة ملح ووضعته بين الجذعين المشتعلين وجلست أتدفأ بالنار وأنتظر نضج طعامي . أكلت وغابت الشمس . صلّيت على أصداء عواء ذئب بعيد في السفح . إحتجب القمر وراء قمم الجبال الشاهقة وهبط الليل عليّ مثل صندوق مظلم فرحة فيه . إتخذت النجوم فوق رأسي مواقعها نفسها في الليلة السابقة . أويت إلى كوخي ، وأشعلت المصباح وجلست أكتب ما لا يملك كتابته غيري ولا يعرف شأنه مثلي [ . . . ] وكيف لأحد أن يعرف سيرة ذاك العارف سواه . . . محي الدين بن عربي . . . هو يكتب سيرته . . سيرة ما لا يملك كتابته غيره ولا يعرف شأنه مثله . . هي سيرة إبن عربي الولي الذي اختاره الله لمّا اختاره وأمره بما أمره كتبها تحت ضوء المصباح الذي لا يكذّب . . حتى إذا اختلف الناس في أمر ؛ وجدوا ما يحتجون به في شأنه ” بسم الله الرحمن الرحيم . قال السالك محي الدين بن عربي . . . [ . . . ] .